المقداد السيوري
425
اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ « 1 » وهو صريح في وقوع العذاب بعد الموت وقبل البعث ، وإلّا لتكرّر قوله : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ والأوّل عذاب القبر اتّفاقا . الثانية : قوله تعالى في قوم نوح : أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً « 2 » أتى بفاء التعقيب ، فيكون إدخالهم النار عقيب الإغراق ، وهو قبل يوم القيامة ، وذلك عذاب القبر . الثالثة : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ « 3 » وهو دليل على أنّ في القبر حياة وموتا آخر وإلّا لم يكن إلّا حياة مرتين ولا الإماتة كذلك . قيل : على هذا يكون الإحياء ثلاثا فلم ذكر مرّتين فقط . قلنا : التخصيص بالعدد لا يثبت الزائد ولا ينفيه مع أنّ التثنية جاءت للتكثير « 4 » ، كقوله تعالى : ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ « 5 » ونحو : لبّيك وسعديك . ومنع ضرار وجماعة من المعتزلة عذاب القبر ؛ لقوله تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى « 6 » ولو عذّبهم في القبر لصاروا أحياء فيه ؛ لأنّ تعذيب الجماد غير معقول ، ولو صاروا أحياء فيه لماتوا مرّة أخرى ، فلا تكون الموتة مرّة واحدة ، هذا خلف ، ولقوله تعالى : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ « 7 » وهو دليل على أنّ من في القبر ليس بحيّ ، إذ لو كان حيا لأمكن إسماعه . والجواب عن الأوّل : المراد أنّ نعيم الجنة لا ينقطع بالموت كما انقطع نعيم الدنيا ، وإنّما قلنا ذلك لأنّ اللّه تعالى أحيا كثيرا من الناس في زمن الأنبياء ثمّ أماتهم ثانيا ، فوجب حمل الآية على ما ذكرناه ؛ لأصالة عدم مجاز آخر . وعن الثاني : أنّ عدم إسماعهم لا يلزم منه عدم إدراكهم ؛ لجواز أن لا يحصل
--> ( 1 ) غافر 40 : 46 . ( 2 ) نوح 71 : 25 . ( 3 ) غافر 40 : 11 . ( 4 ) للتكرير - خ : ( د ) . ( 5 ) الملك 67 : 4 . ( 6 ) الدخان 44 : 56 . ( 7 ) فاطر 35 : 22 .